مثلت ثورة 11 فبراير 2011م الشبابية الشعبية السلمية محطة مهمة في التاريخ السياسي اليمني الحديث، وأعادت إلى الواجهة مطالب بناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
ولم تكن الثورة حدثاً منفصلاً عن التراكمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سبقتها، بل جاءت نتيجة أزمة ممتدة أصابت بنية الدولة والنظام السياسي، وترافقت مع اتساع دائرة الفقر والبطالة والفساد، وتراجع مؤسسات الدولة، وغياب العدالة والمساواة.
الثورة الشبابية الشعبية
انطلقت الثورة بوصفها حركة شبابية شعبية سلمية، ورفعت مطالب التغيير وبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.
وقد تميزت منذ بدايتها بالطابع السلمي، وبمشاركة قطاعات واسعة من الشباب والنساء والقوى السياسية والاجتماعية، وبمحاولة تجاوز الانقسامات التقليدية التي ظلت تؤثر في الحياة السياسية اليمنية.
وأظهرت الثورة وجود تطلع واسع إلى نظام سياسي جديد يقوم على الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية، ويضع حداً لاحتكار السلطة والثروة واستخدام مؤسسات الدولة لمصلحة قوى محددة.
سيرورة الثورة وعملية التغيير
لم تسر عملية التغيير في طريق مستقيم، بل تعرضت منذ بدايتها لجملة من التعقيدات والعوائق التي أثرت في مسار الثورة وفي قدرتها على تحقيق أهدافها كاملة.
فالثورات لا تعمل في فراغ، وإنما تتأثر بموازين القوى وبالمصالح المحلية والإقليمية والدولية، وبقدرة القوى المؤيدة للتغيير على المحافظة على وحدتها وعلى مشروعها السياسي.
وقد انتقلت الثورة من ساحات الاحتجاج إلى عملية سياسية هدفت إلى تجنيب البلاد الانزلاق إلى حرب واسعة، وإيجاد مسار انتقالي يسمح بنقل السلطة والبدء في إعادة بناء مؤسسات الدولة.
عوامل إخفاق عملية التغيير
واجهت عملية التغيير عوامل عديدة أعاقت تحقيق أهداف الثورة، وكان من بينها بقاء أجزاء مهمة من بنية النظام السابق ومراكز نفوذه السياسية والعسكرية والاقتصادية، وعدم حدوث تغيير كامل في مؤسسات الدولة.
كما أسهم ضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة والسلاح، وتداخل المصالح الداخلية والخارجية، في جعل المرحلة الانتقالية شديدة التعقيد.
وأتاح ذلك لقوى الثورة المضادة إعادة تنظيم نفسها والعمل على تعطيل مسار الانتقال السياسي وإضعاف مؤسسات الدولة الجديدة.
الخذلان في صفوف قوى الثورة
لم تكن أسباب التعثر مرتبطة بقوى الثورة المضادة وحدها، بل ظهرت أيضاً مشكلات داخل القوى التي شاركت في الثورة وعملية التغيير.
فقد أدت الخلافات والمصالح المتعارضة وغياب الرؤية الموحدة في بعض المراحل إلى إضعاف قدرة قوى الثورة على حماية أهدافها وعلى مواجهة محاولات إجهاض عملية الانتقال.
وكان المطلوب الحفاظ على كتلة وطنية واسعة تتمسك بأهداف الثورة وبناء الدولة المدنية، بدلاً من السماح للخلافات السياسية والحزبية بإضعاف المشروع الوطني المشترك.
التسوية السياسية والفترة الانتقالية
جاءت التسوية السياسية باعتبارها محاولة لنقل البلاد من حالة الصراع إلى مرحلة انتقالية يجري خلالها إعادة ترتيب مؤسسات الدولة ومعالجة القضايا الوطنية الكبرى.
غير أن نجاح أي تسوية سياسية كان يتطلب وجود إرادة حقيقية لتنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية، وإزالة مراكز النفوذ التي تعيق بناء الدولة، وإخضاع مؤسساتها لسلطة القانون.
كما كان يتطلب معالجة آثار الصراعات السابقة، وتحقيق المصالحة الوطنية، وإصلاح المؤسستين العسكرية والأمنية، وبناء مؤسسات قادرة على حماية العملية السياسية.
مؤتمر الحوار الوطني
مثّل مؤتمر الحوار الوطني محطة أساسية في المرحلة الانتقالية، إذ جمع طيفاً واسعاً من القوى السياسية والاجتماعية لمناقشة القضايا التي ظلت مصدر أزمات وصراعات في اليمن.
وتناول الحوار قضايا بناء الدولة، والقضية الجنوبية، وصعدة، والحقوق والحريات، والحكم الرشيد، والعدالة الانتقالية، وإصلاح مؤسسات الدولة، وغيرها من القضايا المرتبطة بمستقبل النظام السياسي.
وكان نجاح الحوار مرتبطاً بتحويل مخرجاته من توافقات سياسية إلى واقع دستوري ومؤسسي، وعدم السماح للقوى المتضررة من عملية التغيير بإفشال تنفيذها.
استراتيجية إفشال المرحلة الانتقالية
تعرضت المرحلة الانتقالية لمحاولات متواصلة للإفشال، استفادت من ضعف مؤسسات الدولة ومن الانقسامات السياسية ومن استمرار نفوذ القوى المرتبطة بالنظام السابق.
واتخذت عملية الإفشال أشكالاً متعددة، من تعطيل مؤسسات الدولة وإضعاف قدرتها على القيام بوظائفها، إلى توظيف الصراعات السياسية والأمنية والاجتماعية ضد عملية الانتقال.
وكان الهدف من ذلك إظهار المرحلة الانتقالية باعتبارها عاجزة عن إدارة الدولة، وتهيئة الظروف للانقلاب على مسار التغيير وإعادة إنتاج أنماط الحكم والصراع السابقة.
الثورة وبناء الدولة
إن تقييم ثورة 11 فبراير لا ينبغي أن يتوقف عند ما تعرضت له عملية الانتقال من تعثر أو انتكاس، وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها عملية تاريخية طرحت قضية بناء الدولة الحديثة وحقوق المواطنة والتغيير السلمي على نطاق واسع.
فالأهداف التي رفعتها الثورة، وفي مقدمتها دولة القانون والمواطنة المتساوية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، تظل مرتبطة بحاجة المجتمع اليمني إلى الخروج من دورات العنف والصراع.
ومن ثم فإن سيرورة الثورة لا تنتهي بمجرد تعثر مرحلة سياسية من مراحلها، بل تظل مرتبطة بقدرة المجتمع وقواه السياسية والمدنية على استعادة مشروع الدولة، وتحقيق السلام، وبناء نظام سياسي يحترم إرادة المواطنين وحقوقهم.
