الموقع الرسمي
المقالات والكتابات
مقال

طريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية وطموح الصين لقيادة العالم

٥مشاهدة
سنة النشر
2021
مقدمة المقال

قراءة في تجربة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، والجمع بين التخطيط واقتصاد السوق والديمقراطية الاجتماعية، وما حققته الصين في التنمية ومكافحة الفقر، والتحديات التي تواجه طموحها للقيام بدور قيادي في النظام العالمي.

تاريخ النشر
٣١ ديسمبر ٢٠٢١
وقت القراءة
13 دقيقة
نص المقال

المقال

من يطلع بعناية على بيان الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة للحزب الشيوعي الصيني، يجد خطاباً جديداً غير معهود من القيادة الصينية، وهو خطاب يعبر عن المدى الذي وصلت إليه الصين من الثقة بنجاح تجربتها الخاصة في تحقيق التنمية السريعة والاستقرار طويل المدى بفضل تطبيق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

وقد جمع هذا التطبيق بين المبادئ الأساسية للماركسية اللينينية وحرية السوق، وهو جمع بين متعارضات جعل الصين تثق بأن الاشتراكية تمثل حلاً ليس للشعب الصيني عظيم العدد فحسب، بل ولمشاكل التنمية والفقر والبطالة في العالم.

وقبل هذا الخطاب، كان خطاب الحزب الشيوعي الصيني والدولة الصينية يؤكد أن الصين بلد ناجح وليس بصدد المنافسة الاقتصادية مع الولايات المتحدة أو غيرها من دول العالم، وأن جهدها ينصب على مكافحة الفقر والبطالة والفساد.

أما الخطاب الجديد، فيعكس ثقة متزايدة بتفوق التجربة الصينية وقدرتها على المنافسة، وهي ثقة مصدرها قدرة الصين على الجمع بين المتعارضات ونجاحها في ذلك.

الاشتراكية والديمقراطية ذات الخصائص الصينية

مثلت الاشتراكية ذات الخصائص الصينية محاولة للجمع بين الاشتراكية والديمقراطية، والجمع في المجال السياسي بين ما يسمى بالديمقراطية الشعبية والديمقراطية التقليدية في إطار «دولة واحدة ونظامان».

وتجمع الصين بين نظامين في الجانب السياسي: الديمقراطية الشعبية في معظم أنحاء الصين، والديمقراطية التقليدية في هونغ كونغ وماكاو، أي إقامة نظامين في دولة واحدة ولشعب واحد.

ولعب الحزب الشيوعي الصيني خلال فترة حكمه الدور الرئيسي في وضع وتحقيق السياسة الاجتماعية للصين، وبهذا يتكامل شقا الديمقراطية: الشق السياسي والشق الاجتماعي.

وجوهر تجربة الديمقراطية الشعبية في الصين ومحورها هو الشق الاجتماعي للديمقراطية.

وقد نجحت الصين في تحقيق جوانب واسعة من الديمقراطية الاجتماعية، والمتمثلة في ضمان الحق في التعليم، وضمان حق العمل وتوفير فرصه وعدالة الأجور، وتوفير الضمان الاجتماعي في حالات العجز أو الشيخوخة، وتقديم الخدمات الاجتماعية والثقافية.

وبذلك سعت الصين إلى ضمان نصيب عادل من الثروة لكل مواطن وكفالة حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحقيق الأمن من الخوف والفاقة.

الجمع بين الاشتراكية واقتصاد السوق

تمكنت الاشتراكية ذات الخصائص الصينية من تحقيق الديمقراطية الاجتماعية عبر آليات ووسائل وأدوات اقتصادية ذات طابع اشتراكي، وفي مقدمتها الملكية العامة للأرض ووسائل الإنتاج، مع السماح بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والجمع بين الاشتراكية وحرية السوق.

وتلعب الدولة دوراً رئيسياً كمالك لوسائل وموضوع الإنتاج ومخطط للاقتصاد والتنمية.

وهكذا تمكنت الصين من الجمع بين اقتصاد السوق الاشتراكي واقتصاد السوق الرأسمالي، وتوزيع الموارد تحت سيطرة الدولة، ودمج صلاحيات المؤسسات المملوكة للدولة مع متطلبات السوق، أي إقامة نظام اقتصادي ذي خصائص صينية.

وقد زاد من ثقة التجربة الصينية قدرتها على مكافحة الفقر في بلد يبلغ تعداد سكانه نحو مليار ونصف المليار إنسان.

أهمية التجربة الصينية للعالم

لقد مثل نجاح الصين نجاحاً استراتيجياً؛ لأنها لم تتمكن من تحسين حياة مواطنيها فحسب، بل أصبحت تجربتها الاقتصادية والتنموية ذات تأثير على مليارات من مواطني دول العالم المختلفة، ومنهم مئات الملايين من شعوب العالم العربي.

وتضاف إلى أهمية هذه النجاحات أهمية مبادرة الحزام والطريق للنمو الاقتصادي العالمي وازدهار التنمية كأساس للمستقبل المشترك للبشرية، وتعزيز التواصل الاستراتيجي وتعميق التعاون بين الشعوب العربية والأمة الصينية.

وفي المقدمة يأتي دور أحزاب اليسار في العالم العربي، التي يمكنها مع الحزب الشيوعي الصيني تعزيز أواصر الصداقة والتعاون بين شعوب العالم العربي والشعب الصيني من خلال تبادل الزيارات ونقل المعارف والخبرات وإقامة المؤتمرات والندوات ومنتدى التعاون الصيني العربي.

الديمقراطية الاجتماعية والسياسية

حققت الصين نجاحاً كبيراً في مجال الديمقراطية الاجتماعية، وهذا يؤهلها إلى إحداث تقدم آخر في مجال الديمقراطية السياسية، وبالتدريج وصولاً إلى التعددية السياسية وتداول السلطة دون خوف من الثورة المضادة أو الانقلاب على منجزات الشعب الصيني.

ومن شأن هذا التقدم أن يفضي في نهاية المطاف إلى إقامة نظام ديمقراطي موحد في عموم الدولة الصينية.

ونحن على ثقة بأن الصين قادرة، وبالتدريج، على تحويل شعار «من الشعب وإلى الشعب ومع الشعب ومن أجل الشعب» إلى ممارسة فعلية للديمقراطية والاشتراكية.

الملكية العامة ودورها في التنمية

لعبت الملكية العامة للأرض في الصين دوراً رئيسياً في قيام الاستثمارات الحكومية الضخمة في البنية التحتية وبناء المدن الصناعية والتخطيط الحضري.

ومثلت المشروعات الحكومية العملاقة في هذه الجوانب منطلقاً ومصدراً مهماً للنمو الاقتصادي السريع، وبذلك تمكن الحزب الشيوعي الصيني، عبر آلية الدولة، من مكافحة الفقر وتوفير فرص العمل وتوفير موارد كافية للحكومة الصينية والحكومات المحلية.

وقد مكّن ذلك من إحداث تنمية شاملة وعادلة قائمة على الجمع بين التخطيط الحضري وآلية السوق الموجهة، وبذلك تمكنت الصين من الجمع بين السوق الحرة والنظام الاشتراكي في الاقتصاد، وبين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الشعبية في السياسة.

وكان للملكية العامة للأراضي تأثير رئيسي على تحديد مسار النمو الاقتصادي في الصين، كما ساعد ذلك على توفير شروط تحقيق العدالة الاجتماعية وتطوير السياسات الاجتماعية المتعلقة بحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وصبت السياسات الاجتماعية بصورة مباشرة في دعم التعليم وتقديم الخدمات المختلفة وتحقيق توزيع أكثر عدلاً للدخل الوطني.

وفي الريف، ارتكز نظام المسؤولية الأسرية على حصول كل أسرة على قطعة أرض، وصار هذا النظام أداة رئيسية للحماية الاجتماعية من الفقر في المناطق الريفية.

وبفضل سياسات الأجور والحماية الاجتماعية نجحت الصين في تقليص الفقر في المدينة والريف، علاوة على تأمين الدولة الصينية للمواطنين بالتأمين الطبي الأساسي ومعاشات التقاعد.

مكافحة الفقر وجائحة كورونا

نجحت الصين في القضاء على الفقر المدقع بفعل سياسات اقتصادية جريئة للحد من الفقر، وكان للصين إسهام كبير في الجهود العالمية للحد من الفقر.

والتزاماً من الحزب الشيوعي الصيني والدولة الصينية بالديمقراطية الاجتماعية والسياسية، صادقت الصين على عدد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

كما أظهرت الصين قوة نظامها الصحي في مواجهة جائحة كوفيد-19، وقدمت اللقاحات إلى عدد كبير من الدول والمنظمات الدولية.

عودة الخطاب الاشتراكي

لقد انعكست ثقة الصين بتفوق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية على خطابها السياسي، الذي استعاد الحديث بقوة عن الاشتراكية وإيديولوجيتها بعد أن كانت هذه النبرة قد خفتت في الخطاب الصيني.

ويظهر ذلك في التأكيد على التمسك بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية وتطويرها، والتمسك بالمثل العليا للشيوعية والإيمان بالاشتراكية وتطبيق المبادئ الأساسية للماركسية.

ويؤكد هذا الخطاب أن الاشتراكية الماركسية، من وجهة النظر الصينية، قادرة على مواجهة التحديات الكبرى مثل الكتلة السكانية الضخمة ومكافحة الفقر وتحويل التحديات إلى فرص.

كما أعاد الخطاب الاهتمام بأفكار ماو تسي تونغ، وبرزت مكانة الأمين العام للحزب شي جين بينغ بوصفه نواة للجنة المركزية وللحزب.

النزعة الوطنية الصينية

أبرز الخطاب كذلك تعظيماً للنزعة الوطنية الصينية، فلم يعد الحديث مقتصراً على الاشتراكية أو النظام الاقتصادي ذي الخصائص الصينية، بل امتد إلى الثقافة والدبلوماسية والحوكمة والماركسية ذات الخصائص الصينية.

وتبرز في هذا السياق مهمة توحيد الوطن وتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية.

كما يجري التأكيد على الدمج بين المبادئ الأساسية للماركسية والواقع الصيني الملموس والثقافة الصينية التقليدية، والتنمية المستدامة وحكم القانون والحوكمة ذات الخصائص الصينية.

وقد احتلت الثقافة التقليدية الصينية مكانة مهمة في خطب القيادة، بما في ذلك أحاديث الرئيس شي جين بينغ.

تحديات طموح الصين لقيادة العالم

ثمة أمور وتحديات كبرى أمام طموحات الصين، ولا سيما ما يتعلق بقيادتها للعالم، لم تحظَ بما يكفي من النقاش في الخطاب السياسي.

أولاً: الصراع على قيادة العالم

ليس من المعقول أن يسلم النظام الرأسمالي بانتصار النظام الاشتراكي عليه على الصعيد العالمي، كما لن تسلم الولايات المتحدة الأمريكية بسهولة بانتزاع قيادة العالم منها.

ومن هنا تبرز أسئلة مهمة: هل يمكن أن تلجأ دول النظام الرأسمالي إلى إعلان حرب باردة جديدة؟ وهل يمكن أن ينزلق العالم إلى مواجهة عسكرية، بما في ذلك مواجهة نووية؟

هذه تحديات كبرى لا يمكن استبعادها.

والصورة التي يقدمها الخطاب الصيني للمستقبل تقوم على بناء مستقبل مشترك للبشرية، والتسامح والانفتاح والتعايش، والتخلي عن الحرب الباردة، والعيش بسلام، وتكريس مفهوم أمني جديد ومستدام يحقق الأمن المشترك للجميع.

كما تقوم على تحقيق الرخاء المشترك للإنسانية، والتوازن في نظام العولمة، والانفتاح والتعاون العالمي لحماية البيئة والمناخ، بدلاً من الانغلاق والصراع.

لكن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل سيقبل النظام المهزوم والدولة التي تفقد قيادة العالم بهذا الانتقال؟ وهو سؤال ينتظر إجابة من الحزب الشيوعي الصيني والدولة الصينية.

ثانياً: تحالف النظام العالمي الجديد

لم يتضح بصورة كافية شكل التحالف الدولي الذي يمكن أن ينهض بمهمة نقل القيادة الدولية من الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الرأسمالي، ولا طبيعة القيادة الجديدة.

هل سيعاد العالم إلى تعدد الأقطاب أم سيستمر نظام القطب الواحد؟

ثمة إشارات إلى تحالف الصين مع الدول النامية، لكن السؤال هو ما إذا كان ذلك يكفي لنقل السلطة العالمية بسلام.

ويزداد الأمر غموضاً مع إضفاء الطابع الصيني على عدد من المسارات والمفاهيم: الماركسية ذات الخصائص الصينية، والاشتراكية ذات الخصائص الصينية، والنظام الاقتصادي والثقافة والحوكمة ذات الخصائص الصينية.

وقد يعطي ذلك انطباعاً بأن الصين تسعى إلى استمرار نمط النظام الواحد وتدويله، وهو ما قد يزيد حدة الصراع ويمنح خصوم الصين فرصة لتأليب العالم ضدها.

ومن غير الواقعي تحقيق تغيير عالمي بهذا الحجم بمساندة الدول النامية وحدها، وإنما تحتاج الصين إلى تحالفات مع قوى دولية كبرى، ويمكن أن تكون روسيا أحد هذه الأطراف لما تمتلكه من قدرات سياسية وعسكرية وخبرة في العلاقات الدولية.

ثالثاً: التعويل على الفراغات التي تخلفها أمريكا

يتداول بعض الباحثين الصينيين المهتمين بالشرق الأوسط فكرة مفادها أن الولايات المتحدة ترتب لانسحاب استراتيجي من المنطقة، وأن الصين يمكن أن تملأ الفراغ الذي ستتركه أمريكا.

وفي اعتقادي، يقوم هذا الاستنتاج على قراءة غير متأنية؛ فليس ثمة ما يكفي من المؤشرات على انسحاب استراتيجي أمريكي، وإنما هناك مؤشرات إلى استراتيجية جديدة هدفها الحصول على المكاسب دون تحمل الأعباء السابقة.

ومن مظاهر ذلك التخلي عن مسؤولية الدعم لبلدان المنطقة، والتراجع عن مسعى تحقيق السلام الشامل والعادل في الشرق الأوسط، والاعتماد على سياسات التفكيك ونشر الفوضى تحت مسؤولية حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

إذن، الولايات المتحدة ترتب للتخلي عن جانب من مسؤوليتها تجاه الشرق الأوسط، وليس التخلي عن مصالحها وتأثيرها فيه، وذلك عبر حلفائها الاستراتيجيين من الدول القوية في المنطقة.

الصين والشرق الأوسط

فيما يتعلق بالديمقراطية التعددية، فهي مطلب لشعوب المنطقة، ولذلك فإن زيادة تأثير الصين في الشرق الأوسط تستدعي دعم هذا التوجه ومساعدة شعوب المنطقة، وخاصة شعوب العالم العربي، على الانتقال الديمقراطي والتغلب على الثورات المضادة والصراعات الدينية التي يجري استغلالها سياسياً.

وتظهر آثار هذه الصراعات في بلدان مثل اليمن وليبيا وسوريا والعراق ولبنان.

ومن المفيد للصين ولمنطقة الشرق الأوسط، ولا سيما العالم العربي، أن تتخذ الصين سياسات تساعد على تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وتطوير المبادرة الصينية لتحقيق حل عادل للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

كما ينبغي تعزيز التعاون بين الحزب الشيوعي الصيني وأحزاب اليسار العربية، ومنها الحزب الاشتراكي اليمني، واعتماد نهج إنهاء الصراعات والحروب ودعم الانتقال الديمقراطي في بلدان المنطقة، ومنها اليمن، واعتماد نهج توحيد شعوب المنطقة ومنع التفكيك.

حسب هذا المقال، تظل هذه أسئلة مطروحة، وربما نجد بعض الإجابات عنها في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني المزمع عقده في عام 2022.