د. محمد احمد المخلافي إمكانية إصلاح الآليات للالتزام بأولويات التنمية الوطنية في إطار تقديم المساعدة وعدم فرض أولويات المانح على الأجندة يعتبر الحق في تكوين المنظمات غير الحكومية من الحقوق التي جاءت الصكوك والمواثيق الدولية لتؤكد عليها وتلزم كافة الدول بكفالتها وحمايتها وتمكينها من أداء دورها كشريكة للدولة تقع عليها مسئولية اجتماعية في عملية التنمية .
وفي مقدمة تلك الصكوك والمواثيق الدولية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيث نصت المادة (20) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 ديسمبر 1948م على انه: (( 1- لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية.
2-لا يجوز إرغام احد على الانتماء إلى جمعية ما )) .
ونصت المادة (23) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المعتمدة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1966م وصار نافذا في 23 مارس 1976م على انه : (( 1- لكل فرد الحق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين , بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من اجل حماية مصالحه.
2-لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصيانة الامن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم . ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق . )) وانسجاما مع هذه النصوص الدولية فقد نصت دساتير جميع الدول العربية على هذا الحق , وأصدرت القوانين المنظمة له ومنها الجمهورية اليمنية حيث تنص المادة (6) منه على: (( تؤكد الدولة العمل بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق جامعة الدول العربية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة)).
أما المادة (58) منه فتنص على : (( للمواطنين في عموم الجمهورية – بما لا يتعارض مع نصوص الدستور – الحق في تنظيم أنفسهم سياسيا ومهنيا ونقابيا والحق في تكوين المنظمات العلمية والثقافية والاجتماعية والاتحادات الوطنية بما يخدم أهداف الدستور , وتضمن الدولة هذا الحق .. كما تتخذ جميع الوسائل الضرورية التي تمكن المواطنين من ممارسته , وتضمن كافة الحريات للمؤسسات والمنظمات السياسية والنقابية والعلمية والاجتماعية .)) أما أهداف التنظيم القانوني لهذا الحق فق بينته أحكام نصوص القانون رقم (1) لسنة 2001م بشأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية, ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (129) لسنة 2004م. حيث نصت المادة (3) من القانون على أن أهداف التنظيم القانوني للمنظمات غير الحكومية تتمثل في الأتي:
1- رعاية الجمعيات والمؤسسات الأهلية وتشجيعها على المشاركة في مجال التنمية الشاملة.
2- ترسيخ الدور الرئيسي الذي تلعبه الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مجال التنمية وتطوير النهج الديمقراطي وقيم المجتمع المدني المسلم.
3- توفير الضمانات الكفيلة بممارسة الجمعيات والمؤسسات الأهلية لأنشطتها بحرية واستقلالية كاملة وبما يتلاءم مع مسئوليتها الاجتماعية .
4- توسيع نطاق أعمال البر والإحسان وتعزيز التكافل الاجتماعي في أوساط المجتمع .
5- تبسيط الإجراءات وتسهيل المعاملات المتعلقة بالحق في تأسيس الجمعيات والمؤسسات الأهلية وتمكينها من أداء رسالتها على الوجه الأمثل. )) إلا أن بقية أحكام ونصوص هذا القانون ولائحته التنفيذية جاءت مغايرة تماما لتلك الأهداف ومخالفة للمعايير الدولية التي كفلت هذا الحق . وذلك من خلال وضع القانون ولائحته لجملة من العوائق والقيود القانونية التي تحد من ممارسة هذا الحق سواء عند تأسيس المنظمات غير الحكومية أو عند ممارسة نشاطاتها , أو بمصادر الدعم لها أو بعلاقاتها مع غيرها من المنظمات الدولية , والمانحة منها على وجه الخصوص . بحيث جعل للإدارة الحكومية حق الرقابة والإشراف على كافة أعمال المنظمات غير الحكومية وأنشطتها في مرحلتي التأسيس وممارسة النشاط وبشكل يجعل من تلك المنظمات مجرد تابعة للحكومة وليست شريكا لها مما يجعل نصوص القانون غير دستورية ومخالفة للمعايير الدولية .
وهنا والتزاما منا بموضوع المداخلة فإننا سنكتفي بالتطرق إلى النصوص القانونية ذات الصلة بعلاقة المنظمات غير الحكومية بالمنظمات الدولية, والشروط القانونية التي وضعها القانون لحصول المنظمات غير الحكومية على دعم ومساعدة المنظمات الدولية لها. واثر تلك النصوص علفي المعايير التي تضعها المنظمات الدولية المانحة للمنظمات غير الحكومية عند تقديم الدعم المالي والتقني لها.
فما لا شك فيه أن توفير الدعم المادي للمنظمات غير الحكومية , ومن قبل المنظمات الدولية المانحة وكذلك دخول المنظمات غير الحكومية في علاقة شراكة مع غيرها من المنظمات الدولية والمانحة منها على وجه الخصوص له أهمية كبيرة في أداء دور المنظمات غير الحكومية ومشاركتها الفعلية في عملية التنمية والتنمية الديمقراطية وحقوق الإنسان ,وان وجود تشريعات قانونية أو معايير محددة تضعها بعض المنظمات الدولية لتقديم الدعم المادي والتقني لأي منظمة غير حكومية تحد أو تمنع المنظمات غير الحكومية من ممارسة أنشطتها باستقلالية بعيدة عن رقابة الإدارة الحكومية المنظمات الدولية المانحة له اثر بالغ في أداء دور المنظمات غير الحكومية والقيام بدورها .خاصة وان المساعدات المالية والتقنية هي العامل المسيطر الذي يحدد العلاقة بين المنظمات غير الحكومية والمنظمات المانحة وطبيعة علاقة المنظمات غير الحكومية بالدولة.
وبمعنى أخر فان حاجة المنظمات غير الحكومية للمساعدة والدعم الذي تقدمه المنظمات الدولية المانحة للمنظمات غير الحكومية قد جعل المنظمات الدولية المانحة تفرض أجندة ومعايير واليات محددة كشروط لتقديم الدعم والمساعدة بحيث أصبحت العلاقة القائمة بينهما غير متكافئة وكرس مبدأ تبعية المنظمات غير الحكومية الأهلية للمنظمات الدولية المانحة . إلا أن وضع تلك الأجندة والمعايير من قبل المنظمات الدولية كان راجعا بالأساس إلى عدة أسباب منها ما يرجع إلى أهداف المنظمات الدولية التي تسعى لتحقيقها من تقديم الدعم والمساعدة للمنظمات غير الحكومية , أو من منطلق حقها في التأكد من أن الدعم الذي قدمته قد ذهب إلى المشروعات التي خصصته لها . فمثلا تركز وكالات الأمم المتحدة على التنمية والمرأة والطفولة والريف والبيئة والسكان . وبالتالي فهي تقدم الدعم المالي للمنظمات التي يتمحور نشاطها حول هذه الأنشطة. كما أن كثير من المبالغ التي خصصتها بعض المنظمات الدولية المانحة لمشاريع معينة مما جعل المنظمات
الدولية تضع بعض المعايير والشروط التي تمكنها من الرقابة والإشراف على أي منحة مالية تقدمها لأي منظمة غير حكومية ,مع الأخذ بعين الاعتبار إن تلك الأجندة والشروط تختلف باختلاف حجم المنظمة التي تقدم الدعم لها , والدولة التي تنتمي إليها , والأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية السائدة في تلك الدولة , وفي أحيان أخرى قد ترتبط تلك الشروط بالأشخاص القائمين على إدارة المنظمة غير الحكومية والمسئولين عنها . والاهم من ذلك أن من أهم الشروط التي تفرضها المنظمات الدولية لتقديم الدعم لأي منظمة غير حكومية أن تتقيد الأخيرة عند صرف أوجه المساعدة المالية الممنوحة لها بالتشريعات المعمول بها في بلدها وتجعل من عدم الالتزام بذلك مبررا لاتخاذ إجراءات قانونية ضدها قد تصل إلى وقف المساعدة والمطالبة باسترداد ما دفعته منها . مع أن اغلب التشريعات التي تلزم المنظمات الدولية المنظمات بالغير حكومية بالالتزام بها غير دستورية ومخالفة للمعايير الدولية التي كفلت للمنظمات غير الحكومية الحق في التأسيس وممارسة النشاط . كما هو حال التشريعات
العربية ومنها اليمن التي وضعت ضمن نصوص قانونها رقم (1) لسنة 2001م بشان الجمعيات والمؤسسات الأهلية ولائحته التنفيذية شروط تحد وتمنع المنظمات غير الحكومية من حقها في التأسيس وحقها في ممارسة نشاطها وحقها فيس تلقي الدعم المادي والتقني , وحقها في إقامة علاقات شراكة مع غيرها من المنظمات غير الحكومية والأجنبية منها. هذا مع تفريقه الصريح بين المنظمة الأهلية والمؤسسة فيما يتعلق بحق كل منهما في الحصول على الدعم المادي والعيني إذ يقر الحق في ذلك على المنظمة الأهلية فقط ولا يمنح المؤسسة الحق في الحصول على ذلك الدعم مع أن معظم نشاط المؤسسات يرتكز حول الديمقراطية وحقوق الإنسان . ومن أهم القيود القانونية التي وضعها القانون ولائحته التنفيذية على حق المنظمات غير الحكومية في الحصول على الدعم المادي من قبل المنظمات الدولية المانحة انه منح الوزارة سلطة الرقابة على التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية و اشترط موافقة الوزارة المسبقة على قيام المنظمات بتنفيذ أي نشاط بتكليف أو طلب من
جهة أجنبية حيث نصت المادة (23) منه على ( 1- يجوز لأي جمعية أو مؤسسة أهلية بعلم من الوزارة أن تحصل على مساعدات عينية وأموال من الخارج من شخص أجنبي أو من جهة أجنبية أو من يمثل أي منهما في الداخل كما يجوز لها بعلم الوزارة أن ترسل شيئا مما ذكر لأشخاص في الخارج لأغراض إنسانية.
ب – يجوز لأي جمعية أو مؤسسة أهلية بموافقة الوزارة أن تقوم بتنفيذ أي نشاط بناء على طلب أو تكليف من جهة أجنبية. )) , وأعطى الوزارة الحق في رفع دعوى بحل الجمعية أو المؤسسة عند مخالفتها لهذا النص وفقا للمادة (124) .
