الموقع الرسمي
الحوارات والظهور الإعلامي
مقابلة

العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية

٠مشاهدة
سنة النشر
2013
عن المقابلة

كلمة مطولة تربط الثورة العربية ببناء الدولة المدنية والعدالة الانتقالية، وتستعرض التجربة اليمنية والمغربية.

تاريخ المقابلة
١٤ يناير ٢٠١٣
القناة / الجهة
لقاء دولي حول العدالة الانتقالية
نص المقابلة

نص الحوار

العدالة الإنتقالية والمصالحة الوطنية

د/ محمد احمد المخلافي

مرت البلاد العربية بحقبة تاريخية بائسة ، من الإستبداد وتسيد أنظمة تسلطية مكنت قلة قليلة من الموالين للحاكم الفرد وعائلته من احتكار السلطة والثروة ، وإقصاء المجتمع عن القرار والشراكة في السلطة والثروة ، وبالتالي أهدرت حقوق الإنسان وكبلت حرياته وتوقفت التنمية ، وفي ذات الوقت تعمقت الكراهية وثقافة الثأر والإنتقام ، وكان رد الفعل الإيجابي للمواطن العربي اليوم ، هو الفعل الثوري من اجل التغيير ، وفي البلدان الأكثر حيوية وثورية التي أُهدرت طاقتها بالتسلط وإمكانياتها بالفساد ، كتونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا والبحرين وغيرها من أقطار الوطن العربي .

يعد عقد هذا اللقاء الدولي بشأن العدالة الانـتقالية إستجابة عملية لأهداف الثورة العربية من أجل التغيير ، بإقامة الدولة المدنية الحديثة وتحقيق التحول الديمقراطي وكفالة حقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية ، وهي الأهداف المشتركة في الاقطار المختلفة ، وعنوانها استعادة الكرا مة ، ووسائل تحقيق هذة الأهداف ينبغي أن توجد قطيعة مع ماضي الإستبداد ، وفي مقدمة ذلك القطع مع ثقافة الثأر والإنتقام وتوفير شروط السلم الإجتماعي والمصالحة الوطنية ، وعبر وسائل وآليات المصالحة السياسية و المصالحة المجتمعية ، إذ تتم المصالحة الأولى عبر حوار وطني شامل ، والمصالحة الثانية عبر آليات العدالة الإنتقالية المكرس لها هذا الملتقى ، وعقد الملتقى في المغرب يحمل دلالات خاصة ، اذا ان هذا البلد هو البلد الوحيد الذي تمكن حتى الآن من تحقيق عدالة انـتقالية تصالحية وبنجاح مما جعله حتى الآن في طليعة البلدان العربية السائرة على طريق التحول الديمقراطي ، وهي التجربة التي نسعى اليوم في اليمن إلى تمثلها والجمع بين الصفح والعدل معاً لتحقيق السلام والانطلاق صوب المستقبل لاقامة الدولة المدنية الحديثة دولة الحق والقانون.

يجري الآن في تونس واليمن الإعداد لآليات تحقيق العدالة الإنتقالية وجوهر ذلك يكمن في تحقيق التزاوج بين التسامح والعدل وإن اختلفت الوسائل والأساليب .

يمر اليمن اليوم في المرحلة الثانية للفترة الإنتقالية ، وأهم مكونات هذه المرحلة ، تتمثل بعقد مؤتمر الحوار الوطني الذي من مهامه تحقيق التوافق الوطني لحل القضية الجنوبية وإزالة أسباب حروب صعدة ، و إقرار أسس التغيير كأسس لعقد إجتماعي جديد ، والتي سوف تكون أسساً لدستور جديد ولإحداث تغيير على هيكلة الدولة والنظام السياسي من أجل بناء نظام ديمقراطي كامل ، وسوف يقف المؤتمر أمام إتخاذ خطوات ترمي إلى تحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الإنتقالية ، والتدابير اللازمة لضمان عدم حدوث إنتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الإنساني مستقبلاً وبصورة خاصة تحديد طرق تحقيق العدالة الانتقالية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتدابير التي من شأنها منع تكرار الانتهاكات في المستقبل وذلك عبر المصالحة الوطنية ..

لقد قامت وزارة الشئون القانونية في اليمن بإعداد مسودة لقانون العدالة الإنتقالية والمصالحة الوطنية ، وتم إخضاعها للتداول العام والمناقشة في الندوات وحلقات النقاش ، وعقد لقاء تشاوري وطني ، وتلقت الوزارة مقترحات كثيرة من منظمات دولية : حكومية وغير حكومية ، ومن منظمات وطنية حقوقية وأحزاب سياسية ومواطنين أفراد تم إستيعاب الكثير منها في مشروع القانون عدا المقترحات المتعارضة مع الإطار الحاكم لمشروع القانون والمتمثل بـ : بالمبادرة الخليجية وآلية تنفيذ العملية الإنتقالية ، القانون رقم ( 1) لسنة 2012 م بشأن الحصانة من الملاحقة القانونية و القضائية ، و قيم التسامح والصفح ، وهذه المحددات مجتمعة أحلت التسامح والصفح محل المساءلة والمحاسبة و جعلت مقومات العدالة الإنتقالية المزمع إقامتها في اليمن تتمثل بمقومات ثلاث العفو من منطلق التسامح و الصفح ، العدل ، السلام ، بحيث لا يوجد تعارض بين العفو والعدل ، ولا يؤدي العفو إلى تهديد السلام .

يستهدف مشروع قانون العدالة الإنتقالية والمصالحة الوطنية في اليمن تحقيق السلام عبر مصالحة وطنية ، والمصالحة الوطنية العادلة والدائمة لا تتحقق الا بحل فعال يقوم على مقتضيات العدل والصفح معا ، ومقتضيات الصفح تتحقق من خلال العفو المتبادل غير التمييزي ، وأهم مقتضيات العدل معرفة الحقيقة وتعويض الفرد والمجتمع ومنع تكرار الانتهاكات الجسيمة في المستقبل ، ومعرفة الحقيقة يمثل العامل الاهم من عوامل المصالحة بمعرفة الضحية او ذويه والمجتمع وقائع الانتهاكات ومن ارتكبها.ما من شك أن لقانون العفو (الحصانة ) آثاراً ضارة بسبب الافلات من العقاب ، غير ان قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية سوف يحقق الوقاية من تلك الاثار عبر اقرار الحق في معرفة الحقيقة ، الحق في جبر الضرر ، والحق في حفظ الذاكرة الجماعية ، وحق الفرد والمجتمع بالحماية من تكرار مآسي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان .

بعد المناقشات المجتمعية قدم العمل كمشروع قانون إلى مجلس الوزراء والهدف العام لمشروع القانون ، هوالتسامح بالصفح والعدل ، وطبقاً للمشروع يتم تحقيق الهدف منه بالاعتماد على معايير رئيسية ثلاثة هي: تطبيق العدالة الانتقالية التصالحية بشكل شامل ومحايد ، التحقيق الشامل والاستماع للضحايا بصورة علنية او غير علنية حسب اختيار الضحية والاستماع للشهود ، الاخذ بالاعتبار المصلحة الفضلى للنساء والاطفال و الفئات الضعيفة في المجتمع ، عند تحقيق العدالة الإنتقالية وإعمال آلياتها. و طبقاً للمشروع يسري القانون من حيث النطاق الزمني منذ قيام الجمهورية اليمنية ، بدرجة أساسية ، وعلى الانتهاكات التي حدثت قبل قيام الجمهورية اليمنية في حالة استمرار الضرر وبناء على الشكوى . و تتولى تطبيقه وانفاذه هيئة مستقلة ، هى هيئة الانصاف والمصالحة، ويشترط في اعضائها التخصص في مجال عملها والنزاهة وثقة المجتمع ، وتتولى الهيئة بصفة خاصة الكشف عن الحقيقة ، ويشمل ذلك وقائع الاعتداء على الحياة والتعذيب والاختفاء القسري و جبر الضرر ويشمل تعويض الفرد والمجتمع ، التعويض المادي والمعنوي ، و رد الحقوق ، و اعادة التأهيل و الادماج والعلاج ، والمهمة الثالثة هى رد الاعتبار وحفظ الذاكرة الجماعية.

بيد ان هذا المشروع قد تم اعاقته من قبل حزب الرئيس السابق في مجلس الوزراء وتم احالته إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الورزاء في مايو 2012م وقمنا في وزارة الشئون القانونية بتوجيه خطاب بذلك إلى الرئيسين في 6/يونيو/2012م وتم وضع تعديل على الاطار الزمني من قبل رئيس الجمهورية وكانت الخطوة التالية هي التشاور مع رئيس الوزراء ووزير الشئون القانونية لكي يتم اعادته إلى مجلس الوزراء للاحالة إلى مجلس النواب للاقرار ، لكننا فوجئنا باحالة مشروع اخرى من قبل الرئيس إلى مجلس النواب وهو مقترح حزب الرئيس السابق والمشروع ليس فيه من العدالة الانتقالية شئ غير اسمه وخلق ازمة جديدة في البلاد ، ورفض من قبل احزاب اللقاء المشترك التي هي احد طرفي التسوية السياسية والموقعة على المبادرة الخليجية وآلية تنفيذ العملية الانتقالية .

إلى جانب هيئة الانصاف والمصالحة ثمة مهام تقوم بها هيئات أخرى : مؤتمر الحوار الوطني ، مجلس النواب ، والحكومة حيث ينيط المشروع بمؤتمر الحوار الوطني ، مهمة اقتراح الخطوات والتدابير اللازمة لازالة أسباب الصراعات ، منع حدوث الانتهاكات في المستقبل ، تحديد خطوات تمكين الفئات الضعيفة ، اقتراح خطوات للاصلاح المؤسسي ، واقتراح اجراءات وخطط لحفظ الذاكرة الجماعية و يتولى مجلس النواب إصدار التشريعات والمصادقة على الخطط والبرامج ومناقشة التقرير السنوي الذي تقدمه الحكومة إلى مجلس النواب عن الاجراءات المتخذة للحفاظ على حقوق الانسان. و تتولى الحكومة تحويل مبلغ التعويضات إلى حساب الهيئة لتتولى الهيئة سداد التعويضات وتنفيذ توصيات التقريرالشامل المقدم من الهيئة والحصول على المساعدة والدعم الدوليين وإنشاء هيئة مستقلة لحقوق الانسان ومواءمة التشريعات مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية وتقديم تقرير سنوي حول حقوق الانسان إلى مجلس النواب.

اذن الغاية النهائية من اصدار قانون العدالة الإنتقالية والمصالحة الوطنية ، هي استكمال المصالحة السياسية بمصالحة مجتمعية هدفها ارضاء المجتمع وقبوله بالمصالحة عن طريق انصاف الضحايا او اهاليهم والمجتمع ، بمختلف فئاته و أطيافه السياسية والاجتماعية وصولا إلى تحقيق السلم الاجتماعي والسلام ، وهو المشروع الذي تم اعاقته حتى الآن ، ولكننا مصرون على ان لايكون هناك قانوناً بمستوى اقل من هذا المشروع ، وسنعمل بكل ما تستطيع على عدم إقرار مشروع حزب الرئيس السابق ، ونحن نثق بحكمة ورجاحة الاخ رئيس الجمهورية والذي يستطيع ازالة العوائق امام مشروع وزارة الشئون القانونية لكي يتحقق لليمن وابنائه العدل والسلام