المحاور: ما هو شكل الدولة الذي تحاولون الوصول إليه في المؤتمر الوطني ؟
د. محمد المخلافي: فيما يتعلق بشكل الدولة، كانتهذه القضية هي الأكثر صعوبة في التعامل معها في اطار مؤتمر الحوار الوطني قبل انعقاده.وفي البدايات الأولى، لم يكن مطروحا شكل الدولة الاتحادي الا من قبل الحزب الاشتراكي، وكانت معظم القوى ترفض هذا المفهوم أو هذا الشكل للدولة.أثناء انعقاد المؤتمر حصل تغيير في المواقف، بما في ذلك من كانوا حلفاء الحزب الاشتراكي مثل التجمع اليمني للإصلاح ثم المؤتمر الشعبي. لكن المؤتمر الشعبي قاوم حتى طرح الموضوع للتصويت وبالتالي رفض التصويت على شكل الدولة الاتحادي في المؤتمر، ولهذا جرى التصويت بصعوبة وتم التوقيع في مكتب رئاسة الجمهورية.
المحاور: ما هو موقف المؤتمر الشعبي بالضبط ؟
د. محمد المخلافي: كان يرفض موضوع الدولة الاتحادية ويريد أن تبقى الدولة بسيطة. وكان التجمع اليمني للاصلاح أيضا يرفض هذا. لكن جرى الاتفاق مع التجمع من قبلنا، في الحزب الاشتراكي والاحزاب الاخرى في اللقاء المشترك، بأن يُقبل بالفدرالية مقابل شيئين:الأول ألا نعترض بأن تكون الشريعة الاسلامية مصدر كل التشريعات،والأمر الثاني أن تحدد الأقاليم.فيما بعد قبلوا. لكن نحن أيضا حصل عندنا تطور أثناء المناقشات في الحزب الاشتراكي وغيرنا رأينا في أن يكون اقليمين بدل من أقاليم وهي اشكالية ما زالت قائمة.
فيما يتعلق بوثيقة أو مقررات مؤتمر الحوار الوطني، فقد وضعت اسس في عدد من المحاور،وبدرجة رئيسية في مبادئ الدستور أو بناء الدولة. ولقد انطلقت من عدد من المبادئ: المبدأ الأول يتمثل في الشراكة،بمعنى أن يصير الجنوب تحديدا شريكا للشمال ابتداء من بناء الدولة ثم في ادارتها. ومبدأ الشراكة ترتب عليه الالتزام من الاطراف السياسية بأن يشارك الجنوب في الفترة الانتقالية التالية أي بعد وضع الدستور واجراء أول انتخابات وتكون الشراكة مناصفة في ادارة الدولة. أي في الهيئات التمثيلية التي تنتخب (مجلس الاتحاد والمجلس النيابي ) ثم في شغل الوظائف التي تتم بالتعيين بقرارات من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. يعني في النظام الحالي مستوى وكيل وزارة ومديرعام وهذا المستوى يندرج ضمن الوظيفة العامة ، ثم يأتي نائب وزير ووزير وهذه وظيفة سياسية. في هذه الأربع وظائف يكون لهم نصف الوظائف. مبدأ الشراكة تم اسناده بمبدأ اخر وهو عدالة توزيع السلطة والثروة وتقسيم السلطة بين مركزية اتحادية وبين البرلمانات والحكومات التي ستقومبالاقاليم.
المحاور: ما هو شكل الحكم الاقليمي ؟
د. محمد المخلافي: هناك مهام رئيسية اعطيت للدولة الاتحادية فيما يتعلق بالسياسة والخطط التنموية والسياسة الخارجية وادارة الدفاع والمشروعات التنموية في البلاد. وما عداهذا فهي سلطات للأقاليم. والأقاليم ايضا تتوزع فيها السلطات بينها وبين ما هو دون الاقاليم والتي سميت بولايات الحكم المحلي ـ أي حاليا ما يسمى بالمحافظات. وقد تم توزيع السلطة على ثلاثة مستويات: الولاية وهي الوحدة الادارية الاصغر يليها الاقليم ثم الدولة الاتحادية.لكنلم ترد كل التفاصيل بالوثيقة. فالوثيقة مجرد مبادئ إلى أن يتم وضع الدستور،حينها ستوضع التفاصيل بصورة اوسع.
فيما يتعلق بالثروة، تم الاتفاق على وضع مبادئ لتوزيع الثروة تتمثل بأن يكون ثمة نصيب للولايات التي تنتج الثروة ويكون لها نسبة من الانتاج. ثم ما تبقى من الثروة يذهب الى الدولة الاتحادية لتعيد توزيعه على الاقاليم.الى الآن الثروة الذي يجري الحديث عنها هي النفط والغاز، وهي الثروة الناضبة. لكن يوجد في اليمن مناطق زراعية غنية والى الان لا ينظر الى مثل هذه الثروة، وأيضا الثروة السمكية الكبيرة الموجودة في اليمن والان يجري نهبها والسطو عليها من الشركات الكبرى والدولة منشغلة عنها.
وقد تم الاتفاق على أن يأخذ بمبدأ "التكامل" بدلاً عن مبدأ "الاكتفاء الذاتي"، لأن الاكتفاء الذاتي ممكن ان يكون مغريا لدعوات الانفصال، بينما التكامل يجعل هذه الاقاليم محتاجة لبعضها البعض.
فيما يتعلق بتقسيم الاقاليم، كان طرح فكرة الفيدرالية وتقديم وثيقة الى المؤتمر، بمبادرة من الحزب الاشتراكي. وحينها طرحنا بأن يتم تقسيم اليمن الى اكثر من اقليم وكان عندنا اكثر من خيار في التقسيم الى اقليمين أو ثلاثة أو خمسة أقاليم.وقد تركنا لأنفسنا المساحة بأن لا نقرر حتى يكون لدينا مرونة في المؤتمر للتعامل ويبقى الباب مفتوحا. لكن في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي جرى اقرار بأن يكون الجنوب وحدة سياسية موحدة وأن لا يقسم الجنوب. هذا لا يعني ان يكون هناك اقليمين فقط، فمن الممكن ان يكون الجنوب اقليم واحد والشمال اقليمين أو ثلاثة وهذا ما كنا ملتزمين به أمام الحزب.
في اطار مؤتمر الحوار، كان هناك شيء من سوق المزايدات وكان تحصل تطورات ليست مدروسة.
المحاور: لكن ألا تظن بأن هذا موضوع جوهري ؟ أي أن اقليمين مشروع للتقسيم؟
د. محمد المخلافي: من الصعب أن أعطي رأيي في الوقت الحالي، لأن الانقسام الوطني موجود وحاد، ولا يوجد مكان ليس فيه هذا الانقسام. وهناك مخاوف لدى البعض يجب أن تُقدّر.
الآن ما حدث هو أن الرئيس سعى إلى الخيار الذي يريده، وهذا لم يكن ايجابيا والطريقة لم تكن ايجابية ايضا. يعني كان ممكنا ان نصل الى هذا الخيار بطريقة اخرى عبر حوار يأخذ وقته كأن يستمر الحوار بعد انعقاد المؤتمر لمدة سنة فيما يخص الأقاليم. ليس بالضرورة أن تكون الأقاليم ضمن الدستور لأنه لو وضعناها ضمن الدستور سيشكل ذلك قيدا صعبا ويضع امامنا عقبة في المستقبل.
المحاور: كيف ممكن أن يكون للنص قوة قانونية اذا لم يكن في الدستور؟
د. محمد المخلافي: شكل الدولة الاتحادي في الدستور. لكنذكر الاقاليم ممكن ان يكون بموجب قانون اتحادي.
المحاور: يعني أن تلحقها بالدستور ؟
د. محمد المخلافي: من وجهة نظري ليس ذلك بالضرورة، لأنه اذا كان هنالك تعديل في الدستور، فإن أي تغيير سيواجه بمشكلات كبيرة من أجل تعديل الدستور والاستفتاء عليه و ممكن لأي طرف أن يعيقه. أما بموجب القانون فأي مشكلة تعيقنا بموضوع الأقاليم ممكن حلها بإجراءات بسيطة أو من خلال تعديل القانون.
الأمر الثاني كان أمام اللجنة التي ترأسها الرئيس ثلاث خيارات: خيار الستة اقاليم ومعها الاغلبية. خيار الاقليمين ومعها الاقلية. وايضا طرح للجنة خيار ثالث، وأنا شخصياً تحدثت مع الرئيس وبتكليف من الامين العام للحزب الاشتراكي اليمني بأن تُعطى اللجنة مساحة من الزمن سنة كاملة وأن يظل الباب مفتوحاً للنقاش والتوافق، لأن الوضع السياسي متغير ومتطور لكن الرئيس تمسك برأي الأغلبية الذي خلق مشكلة جديده ، وكانت النتيجة أن اللجنة خلال شهر أقرت خيارا واحدا، ولم يطرح في الاعلام الا ذلك االخيار. والحديث كان عن ستة أقاليم وبالتالي كان هذا خيار اللجنة واعترض شخصان من أعضاء اللجنة فقط، وهما لا يمثلان أي نسبة من نسبة التصويت. وهما ممثل الحزب الاشتراكي وممثل أنصار الله ـ الحوثيين في اللجنة. وبقية القوى صوتت كلها الى جانب الأقاليم الستة.
نحن لن نرفض أي قرار فيه توافق أو اغلبية. لكن الاحتجاج تم على الطريقة لأن هناك تغليب لخيار بصورة ارادية.بمعنى انه طرح للاعلام خيار واحد وجرت مناقشة خيار واحد. لكن ليست هذه المشكلة الرئيسية ، كانت المشكلة شكل الدولة، وحاليا الامر محسوم وسوف يحدده الدستور من حيث المهام والاختصاصات.
المحاور: هل نجحت بأن لا يتضمن الدستور تفصيل الستة اقاليم المتفق عليه ؟
د. محمد المخلافي: لازلت اسعى إلى هذا وكان ممكن أن يكون ضمن الدستور لو كان هذا الخيار محل توافق ولم يكن هناك اعتراضات والكل متوافق عليه. لكن في المستقبل ممكن أن يصطدموا مع الناس في الميدان أثناء التقسيم. هذا رأيي وقد يكون مصيبا أو لا يكون.
المحاور: يعني أن يحدد شكل الدولة في الدستور ؟
د. محمد المخلافي: نعم دولة اتحادية، ومن ثم كيف نقسم هذه الاقاليم،وما حدودها وكم عددها. أنا برأيي أن تترك للقانون حتى يكون هناك مرونة بالتعامل. وفي وثيقتنا قلنا أنه لا مفاضلة بين الدولة "البسيطة" والدولة الاتحادية. لكن الدولة الاتحادية ، بدرجه أساسية ، تمثل حلاً للقضية الجنوبية
المحاور: ماذا تقصد بمصطلح "الدولة البسيطة"؟
د. محمد المخلافي: أي دولة غير مركبة. فالدولة البسيطة لديها برلمان وحكومة موحدة، أي أنه ليس هناك تعدد. بينما الدولة الاتحادية دولة مركبة، أي هناك حكومة وبرلمانا في مستويات مختلفة. وتقسم السلطة بين الاتحاد والاقاليم طبقا للدستور والقوانين المفصلة له . فيما يتعلق بموضوع الجيش والأمن وجدت مبادئ أساسية لإصلاح الجيش والأمن،تقوم على مبادئ رئيسية هي تغيير عقيدة الجيش والأمن، بحيث تأتي عقيدة جديده تنهي الولاء للأشخاص والجماعات والقبائل ويكون الولاء لحماية الدولة والمجتمع وحماية حقوق الإنسان. وانهاء احتكار قيادة الجيش والأمن وحصر الانتساب الى المؤسستين على مناطق معينة أو نفوذ معين. إضافة إلى وجوب الفصل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية والأمنية، بحيث لا يجوز للرؤساء الثلاثة:رئيس الدولة ورئيس البرلمان ورئيس الوزراء أن يحوزوا صلاحية تولي مناصب قيادية في هذه المؤسسات لا همولا لأقاربهم الى الدرجة الرابعة. (ما عدا أن يكون رئيس الجمهورية القائد الأعلى). فيما يتعلق بالجيش يجب أن يكون جيشا اتحاديا. في مجال الأمن توزع السلطات بين الاتحاد والسلطات الأدنى سواءً كانت الأقاليم أو غيرها.
هناك تسعة محاور للمؤتمر أحدها هيكلة الجيش والأمن. وقد تم التوصل الى تحديد الصلاحيات بين الدولة الاتحادية والأقاليم. وفيما يتعلق بالاجراءات العملية التي تتم لإعادة هيكلة الجيش والأمن هناك لجنتان: لجنة تابعة لوزارة الداخلية برئاسة أحد الضباط الكبار، ولجنة تابعة لوزارة الدفاع برئاسة أيضاً أحد الضباط الكبارهو المفتش العام. والحقيقة الى الآن الهيكلة لا تسير بصورة ايجابية.
المحاور: هذا يعني عدم مشاركتكم باعداد الاسس والمبادئ للهيكلية ؟
د. محمد المخلافي: نحن كان لدينا رؤية أخرى تتفق مع المبادئ التي أصدرها المؤتمر ونعتبرها محددات لايجوز مخالفتها .
المحاور: منذ متى شكلت هذه اللجان ؟
د. محمد المخلافي: شكلت هذه اللجان منذ أن شكلت حكومة الوفاق الوطني لكنها مازالت في طور العمل ولم تنته. وقد تم العمل على هيكلة أولية. قبل استصدار القوانين لم يكن فيها شيء يغير في عقيدة وبنية القوات المسلحة والأمن وكانت مجرد تغييرات للمواقع. على سبيل المثال في وزارة الداخلية،حيث كنا في الاساس نسعى لأن تكون كل الاجهزة الامنية تابعة لها. بما في ذلك الاستخبارات. وعلى الرغم من أننا عملنا هيكلة وأصدرناها كهيكلة مؤقتة فإن كل أجهزة الاستخبارات ظلت تتبع الرئيس كما في السابق.
وهناك فقرة رئيسية ضمن المقترحات تنص على أن يتم نقل الأمن المركزي إلى القوات المسلحة لأن بنيته هي بنية شبه عسكرية وأنا تجندت فيه وأعرفه تماما. الذي حصل أنه بقي كما هو وغيرت تسميته من الأمن المركزي الى قوات خاصة. كان رأيي إما أن يُدمج في الجيش أو يوزع على قوات أمنية أخرى، أما أن يبقى هو كجهاز فصعب السيطرة عليه من قبل الحكومة الحالية، لأنه كان كلياً تابع لعائلة الرئيس السابق.قبل يوم من مجيئي الى هنا، اعترضني أفراد منه في الطريق ودخلت معهم بإشكال ورفضوا أن يتكلموا مع وزير الداخلية، وولائهم لا يزال للقيادات السابقة. بمعنى آخر، فالهيكلة الحالية لم تغير في البنية السابقة .
كنا نتحدث بأن هناك قوى، لا هي أمنية ولا هي عسكرية،وبالتالي لا تخضع لأي من النظامين وتخضع للرئيس السابق وعائلته فقط. وكان منها :الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والحرس الخاص . والفرقة الأولى هي جيش لكن وضعها ليس مرتبط بالجيش. الذي تم هو حل هذه الوحدات وجرى تقسيم الجيش الى الوحدات التقليدية : جيش بري وجيش جوي وجيش بحري. وهذه خطوة ممتازة، بيد انها خطوة ورقية ولم تتحقق في الواقعوظلت القيادات الميدانية السابقة ولم يحصل أي تغيير عليها .
من تقصد بالقيادات الميدانية ؟ القيادات الميدانية العسكرية قيادة الوحدات قيادة الكتائب قيادة الألوية ، وحتى قيادات للمناطق .
المحاور: هل كان هذا التغيير جزء من التوافق على الحل بالخطة الخليجية ؟
د. محمد المخلافي: لا لم يكن كذلك. الرئيس ووزير الدفاع ربما يخشون أن يتابعوا في التغييرات هبوطاالى التعيينات الدنيا ويحصل تمرد. وربما الخشية لدى الرئيس بالدرجة الأولى . ربما الرئيس كان يخشى في هذه الفترة وقوع انقسامات. غير ان هذا الوضع جعل جزء من القوات المسلحة مخطوفاً بيد القيادات السابقة ومن ثم ، فإن بيد النظام القديم مجلس النواب والمجالس المحلية المنتهية ولايتها وجزء من الجيش والامن مما قد يشجع النظام القديم الإقدام على مغامرات إنقلابية.
المحاور: في أي مناطق تحديدا ؟
د. محمد المخلافي: بدرجة اساسية في محيط العاصمة وبعض المناطق العسكرية ، لكن بعد نجاح مؤتمرالحوار الوطني يفترض من الحكومة والرئيس بأن يضعوا خطة رئيسية لمقررات المؤتمر ويسيروا الى الامام، وبالتالي هذا سيسهل التغييرات في الجيش والأمن.
المحاور: الأحزاب السياسية كانت تضغط لكي يكون هناك خطة لهذه التغييرات؟
د. محمد المخلافي: الأحزاب السياسية تضغط بشدة. كنا نحن قبل انعقاد المؤتمر اشترطنا بأن لا ينعقد المؤتمر قبل أن تتم الهيكلة الكاملة للجيش، وكان عندنا تأييد واسع حقيقة، حتى من الاحزاب الأخرى. لكن فيما بعد لما تلكئ الرئيس وتباطئ وتأخر المؤتمر قبلنا بأن يتم هذا. على أن يجري الآن مباشرة البدء في تنفيذ قرارات مؤتمر الحوار الوطني التي التزمت فيها كل الأطراف، بما في ذلك أن يكون السلاح والقوات المسلحة بيد الدولة فقط.هذا ضمن مقررات مؤتمر الحوار الوطني بما في ذلك محور القضية الجنوبية ومحور صعدة.
المحاور: لكن على الأقل على مستوى الالتزام "النظري" على الورق؟
د. محمد المخلافي: هي مقررات من قبل الجميع كأطراف سياسية.لا يوجد طرف سياسي الا وصادق عليها باستثناء الاطراف التي لم تشارك،وهي مجموعات من القوى الجنوبية، هذه العملية ستساهم بدرجة كبيرة في اصلاح الأمن والجيش عندما تصير الدولة محتكرة لاستعمال القوة وأن يكون السلاح في يد الدولة فقط، وبالتالي هذا سينعكس ايجاباً على الجيش والأمن.
المحاور: بالتأكيد هذا فعلاً نظري، منذ متى كانت الدولة في اليمن في يدها كل السلاح والأمن والجيش؟
د. محمد المخلافي: حينما وجدت الدولة في الجنوب كانت هي الوحيدة المحتكرة للسلاح. أما الشمال كان مسيطراً في فترة واحدة وكانت قصيرة بين 1973 إلى 1977. وتغيير الأمر بعد تولي علي عبدالله صالح السلطة، لأنه لم يكن واثقا بأنه حاكما حقيقيا وبالتالي ظلت السلطة مقسمة، وكان همه أن يأخذ الثروة ويتحكم بها. وكان يأتي بشيوخ القبائل ليقدموا له الولاء والطاعة مقابل هذه الأموال ما عدا ذلك لا يهمه شيء اخر.وبالتالي، وبالنسبة للجنوب، فإن عملية العودة الى تفتيت السلطة مباشرة بعد الوحدة، جرت بصورة ممنهجة. بل إن القوى التقليدية في ذلك الحين كانت تعلن اعادة تأسيس القبائل في الجنوب.
المحاور: مشروع توحيد ووضع كل الاسلحة في يد النظام المركزي ؟
د. محمد المخلافي: لا بد أن نسير في هذه الخطوة من أجل بناء الدولة. لكن هذا ينفذ على خطوات : الخطوةالأولى سحب السلاح الثقيل، وهذا محدود وموجود حاليا لدى الحوثيين وبعض شيوخ حاشد الذين هزموا في الحرب مع الحوثيين. وربما هذا سيسهل سحب السلاح الثقيل تلقائيا، لأنهم لم يستطيعوا أن يواجهوا السلاح الثقيل الموجود لدى الحوثيين. ويبقى لدينا مشكلة الحوثيين ولا بد لنا من مواجهة هذه القضية بسرعة لأننا لا نستطيع بناء دولة وهناك قوى لديها سلاح ثقيل. الخطوة الثانية سحب السلاح المتوسط. وتبقى الخطوة الأصعب سحب السلاح الفردي لأنه موجود تقريباً لدى كل الناس وهذه الخطوة تأتي بعد بناء الدولة. الآن يفترض أن الرئيس والحكومة لهم مهام مشتركة وبدءوا بإخراج مقررات مؤتمر الحوار الوطني،وتحويلها الى مصفوفات تنفيذية للتشريع للدستور للسياسات. أنا طرحت هذا منذ حوالي اسبوعين أمام مجلس الوزراء لكن لم أجد لديهم المبادرة وينتظرون أن يقول لهم الرئيس افعلوا.
المحاور: انت تنتظر هذه المبادرة من اللجان المشكلة نفسها أم ماذا ؟
د. محمد المخلافي: لا أنا كنت قد اقترحت تشكيل فريق وزاري من مجلس الوزراء ويرأسه أحد الوزراء من الوزارات المعنية مباشرة، لتستطيع أن تساهم وتبدأ في تحويله الى مصفوفة للتنفيذ. ونعمل خطوات بما يخص الأمن والسلاح وغيره.نحن سنبقى نحاول بهذه الطروحات والاليات ما لم نضطر إلى أن نقف عند بعض المسائل التي لنا بها علاقة من قريب أو من بعيد، سنقدم مصفوفة باسم وزارة الشؤون القانونية.
المحاور: هل تم استيعاب المقاتلين أو هناك تفكير باستيعابهم في الاجهزة ؟
د. محمد المخلافي: حاليا لم يعد هناك مقاتلين أو مليشيات رسمية الا عند الحوثيين ـ أنصار الله وهناك شيوخ لديهم ميليشيات لكنها تقليدية والقبيلة المتماسكة هي القوات المسلحة. ولا توجد معسكرات الا لدى الحوثيين، ومن ضمن مقررات قضية صعدة استيعاب المقاتلين في اطار الجيش.
المحاور: هل طرح استيعاب المقاتلين ومن ذهب منهم الى سوريا ؟
د. محمد المخلافي: لا لم يطرح ، وستكون هناك مشكلة ان نستوعبهم. لأن هذا ماحدث في قضية افغانستان،فالامريكان والاوربيون اتفقوا مع علي عبدالله صالح، دون علمنا على الرغم من اننا كنا حينها في الحكومة وبرئاسة البرلمان، و جاءوا بكل العرب الذين كانوا في أفغانستان والنتيجة ماثلة أمامنا .
المحاور: والسعودية أيضاً فرضت عليكم قبولهم ؟
د. محمد المخلافي: ، لكن كان بالاتفاق مع جزء من السلطة (علي عبدالله صالح ومجموعته)، وهذه المشكلة نحن عالقين فيها الى الآن. فهؤلاء بعد عشرين سنة كبروا وعقلوا وأصبح لديهم أموال ولم يعودوا الى القتال وأتت ورائهم أجيال، الآن "القاعدة" هي جيل آخر،هي ليست "القاعدة" المعروفة حينذاك، أنا لدي قناعة قديمة وشاركت بها في كتاب مع فريق المحامين في عام 2004، وكان عبارة عن مرافعات قدمناها الى المحكمة ومضمونها هو أن الحديث عن الارهاب بسياق منفصل عن الدولة في اليمن في ذلك الوقت أمر غير صحيح. الارهاب هو ارهاب مختلط وحصلنا على وثائق تدل على هذا ، ومنها ملف سلم إلينا تضمن تحقيقات تظهر ان هذه الجماعات عندما عادت من أفغانستان جزء منهم جندوا في اليمن وادمجوا في الجيش والأمن والمؤسسات التعليمية وغيرها. لهذا اطلقنا تسمية على هذه الحالة بالارهاب المختلط يعني ليست تنظيمات منفصلة تماما عن الدولة.
هؤلاء كانوا متحالفين مع النظام السابق تحالف فكري سياسي وليس ديني. بمعنى الحفاظ على التخلف وألا يتم بناء دولة. وهذا التحالف مستمر الى الآن والنظام لم ينته بعد وأنا اسميه النظام القديم وليس السابق.الأغلبية في البرلمان لازالت بيد النظام القديم، ومازال يستطيع دفع الأموال والتسهيل لأعمال الارهاب.
لم يعودوا أغلبية كبيرة في البرلمان لكنهم كتلة متماسكة واحدة، وهناك ستة كتل اخرى تتفق وتختلف.
المحاور: تقصد كما حصل في وزارة الدفاع ؟
د. محمد المخلافي: حصل في وزارة الدفاع وفي قيادة المعسكر في الجبل (تأتي سيارة ممكن أن تراها على بعد 30 كيلو تأتي وتدخل وتقتل ويهربوا).استطعنا منعهم من القتل داخل المعسكرات نفسها، فاتخذوا طريقة ثانية بالاستهداف من خارج المعسكرات.هذه العمليات ممكن التغلب عليها اذا استطعنا أن نجد قوة فاعلة لتنفيذ مقررات مؤتمر الحوار الوطني.في الحقيقة جبهة التغيير ضعفت ولم نعد قوة واحدة، ومن المفروض أن تتسع جبهتنا لكنها تقلصت ليس رسمياً بل عملياً. رسمياً لازلنا المجلس الوطني لقوى الثورة، ولايزال المحور الرئيسي أحزاب اللقاء المشترك. لكن من الناحية العملية هذه الجبهة تخاذلت.فنسعى الان لاستعادة "النواة"، وهو اللقاء المشترك وشركائه لكي نستطيع أن ننفّذ هذه المفردات. نحن نجحنا ربما بكثير من مواقفنا السابقة بأن تمر عبر الحوار الوطني لكننا متفردين وكل مجموعة لوحدها ولم نكن في مجموعة واحدة.
المحاور: وهل كتلة علي عبدالله صالح كتلة واحدة؟
د. محمد المخلافي: أولاً، يخشى أصحابه التعيير. ثانياً، لديه المال أكثر من الدولة. لكن نحن نسير الآن الى الامام ولدينا امكانية كبيرة للتغيير دون المزيد من الحروب، ولازال المجتمع الدولي يدعمنا سياسياً لكننا إلى الآن لم نحصل على أموال حقيقية و ليس لدينا المال لاستعادة التنمية.
المحاور: ألم يكن هناك طريقة لاعادة تأهيل أعضاء المؤتمر الشعبي الذين لم يكن لهم علاقة مباشرة بالانتهاكات وكسبهم باتجاه العملية الانتقالية الاصلاحية؟ والكتلة الموجودة الان في البرلمان هل كانت كلها مستفيدة من النظام السابق؟
د. محمد المخلافي: الذين كانوا بالبرلمان بالتأكيد لم يكونوا كلهم مستفيدين . لكن هناك القاعدة الواسعة غير مستفيدة، وبالتالي الآن المؤتمر منقسم إلى قسمين قسم مع الرئيس الحالي وقسم مع الرئيس السابق وهم القسم الاكثر استماتة على أن يستمر النظام.
المحاور: هل كان في الاتفاق عبر المبادرة الخليجية للحل شرط ترك اموال الرئيس السابق دون ملاحقته أو مقاضاته ؟
د. محمد المخلافي: بالنسبة للمبادرة الخليجية عملت حصانة للرئيس السابق وكل من عمل معه وكانت الحصانة مطلقة.لكن فيما بعد عندما بدأنا بتشريع القانون سحبنا قانون الحصانة وأعدنا صياغته ليشمل فقط شخص علي عبدالله صالح. وأعطى من عمل معه العفو من الملاحقة الجنائية في الافعال التي ارتكبت أثناء أداء الوظيفة أو بسببها. بمعنى اننا نستطيع مطالبة الجميع بالأموال. أنا قدمت مشروع قانون الى مجلس الوزراء لاستعادة الاموال المنهوبة وهناك مشروع قرار لمجلس الأمن تأييدا لهذا القانون.وقد شكلت برئاستي لجنة من مجموعة من الوزراء والهيئات المستقلة كهيئة مكافحة الفساد والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ووزير المالية ووزير التخطيط. مر هذا في مجلس الوزراء ولم يعترضوا عليه ولم يوقفوه لكن أنا كنت أعلم ان مجموعة علي عبدالله صالح اجتمعوا في اليوم الأول وتشاوروا وقالوا "اذا وقفنا ضده في مجلس الوزراء سيفهم أننا نقر بأن لدينا أموال"، وقرروا أن يشاركوا في اللجنة وأن يقبلوا ويكونوا في اللجنة ويعيقوها. لكن لدينا نصوص من مقررات مؤتمر الحوار الوطني سنستخدمها والآن اذا صدر قرار مجلس الأمن واستمر بمضمونه الحالي سيمثل دعما للقانون.
المحاور: في المبادرة الخليجية كانت النقطة التي انجحت الخطة هي أن يُعطى علي عبدالله صالح ومن معه الحصانة بشرط ألا يتدخل في السياسة ؟
د. محمد المخلافي: الحصانة مقابل السلام. وهذا يعني أن يغادروا السلطة. وكيف سيكون هناك سلام اذا كانوا مستمرين في السلطة والانتهاكات . لكن في المبادرة الخليجية لا يوجد شيء. هذا الأمر نحن وجدنا له الحل من خلال مقررات المؤتمر الوطني بصورة ضمنية وليست مباشرة. وحصلت خلافات وانقسامات داخل المؤتمر وكاد أن يغادر المؤتمر الشعبي مؤتمر الحوار وجرت مساومة تؤدي الى تحقيق الغرض.
المحاور: كيف ممكن أن تؤدي الغرض؟
د. محمد المخلافي: تم النصّ على أن من يرشح لرئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء أو رئاسة البرلمان ، لا يكون قد قضى فترتين في البرلمان أو الحكومة أو الرئاسة أو غيرها. وألا يكون قد تولى قيادة عسكرية ولم يمض عليه عشرة سنوات من ترك منصبه، وألا يكون قد تولى رئاسة حزب سياسي خلال السنوات العشر الأخيرة، وألا يكون مشتبه فيه في انتهاكات حقوق الانسان، وألا يكون متهم بجريمة مخلة بالشرف أو مشتبه فيه بمشاركته بالفساد. وهكذا صيغت شروطا تجعل علي عبدالله صالح وجزءا ممن معه من القيادات العليا غير قادرين بأن يتولوا لا قيادة الأحزاب ولا قيادة البرلمان ولا الحكومة ولا رئاسة الدولة.
المحاور: هذا كله مرتبط وموجود بقانون العدالة الانتقالية؟
د. محمد المخلافي: فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية هناك قانون حصّن جزء ممن كانوا مع علي عبد الله صالح أو ضمن لهم العفو. لكن مشروع القانون المطروح يعبر عن مسعى لتجاوز الماضي وإنصاف الضحايا .
فيما يتعلق بمخرجات مؤتمرالحوار الوطني دخلت مجموعة علي عبدالله صالح وهم مستعدين لاحباط عملية العدالة الانتقالية، ووجدنا انهم اغلبية في الفريق
المحاور: هل هناك ضمن القوى الجديدة توزيع مناطقي للوزارات ؟
د. محمد المخلافي: في الحكومة كان هناك خيار ضمن المرحلة التأسيسية،فإلى جانب تكميل مهام الفترة الانتقالية، هناك مهمة جديدة وهي بناء الدولة وايجاد مؤسسات الدولة الفيدرالية، ومن ثم ننتقل الى الانتخابات وهذا يعني أن نعمل برلمانا جديدا غير منتخب يحل محل البرلمان الحالي (جمعية تأسيسية) وأن تشكل حكومة جديدة تستوعب كل القوى التي شاركت بمؤتمر الحوار، بما في ذلك القوى التي لها طابع جغرافي كالحراك الجنوبي أو الحوثيين. لكن المبادئ التي وضعها مؤتمر الحوار الوطني كمبادئ دستورية تحظر أي تجمع سياسي على أساس مناطقي أو مذهبي أو ديني.لكن هذه المكونات موجودة في الواقع. بالنسبة للبرلمان رفض مقترحنا هذا وجرت الموافقة على توسيع مجلس الشورى وهو مجلس له صلاحيات تشريعية محدودة جدا في حالات معينة كالسلام والحرب والحدود.
فيما يخص الحكومة صدر نص بتكليف رئيس الجمهورية باحداث تغيير في الحكومة وفقا لثلاثة معايير: معيار الكفاءة، معيار النزاهة، معيار الشراكة. بمعنى اشراك القوى السياسية والاجتماعية التي لم تكن مشاركة في الحكومة،وهناك تكتلين رئيسيين معروفين هما الحراك الجنوبي والحوثيين.
المحاور: الحراك أقرب الى اللقاء المشترك من المؤتمر الشعبي؟
د. محمد المخلافي: بالتأكيد هم بالغالب يلتقون مع اللقاء المشترك بهدف التغيير وبناء الدولة المدنية الحديثة ، وجزء من قياداتهم ينتمون إلى أحزاب في اللقاء المشترك خاصةالحزب الاشتراكي اليمني
المحاور: يعني حزبكم هو صمام الأمان لاستمرار الدولة؟
د. محمد المخلافي: نحن بقينا الرابطة الاختيارية الوحيدة منذ حرب 1994. المتواجدين في الاحزاب الاخرى هم متواجدين لمصالح والمتواجدين في الحكومة هناك مصالح، ونحن الرابطة الوحيدة الاختيارية التي لا يوجد لديها مصالح. فإذا قطعت هذه الرابطة لن يكون بين الجنوب والشمال رابطة اختيارية تجمعهما.يعني لا يريدون أن يفهموا أن هذا الحزب أصبح مصير اليمن مرتبطا به.
المحاور: وماذا عن التجمع اليمني للاصلاح ؟
د. محمد المخلافي: التجمع اليمني للاصلاح والمؤتمر الشعبي حاربوا في الجنوب ، لكن هذا لا يعني أن وضعنا سهل بل أكثر تعقيداً. ونواجه المشكلة داخل الحزب نفسه
المحاور: لكن حتى الآن حافظتم على وحدة الحزب ؟
د. محمد المخلافي: حافظنا عليه بتجاوزات للنظام الداخلي .
المحاور: أين سيكون اليمن بعد خمس سنوات ؟
د. محمد المخلافي: أنا أقول أن بعد سنتين سنحقق التغيير وسط كل هذه التحديات.
المحاور: بما فيهم حل القضية الحوثية ؟
د. محمد المخلافي: بما في ذلك حل قضية صعده .
